#حديث_تنفيذي

الأنبياء.. والقيادة والإدارة

يظل في سير الأنبياء الكرام عبر ودروس لا تمل..

ونستعرض هنا بعض ملامح حسن القيادة والإدارة التي قرأناها في تلك السير العطرة.

نبدأها بموسى عليه السلام.. فقد بعثه الله لقومه وهو أهل للنبوة ولا شك، إلا أننا شهدنا في سيرته عندما طلب من  الله عز وجل الاعتضاد بأخيه هارون.

قال تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي}، لم يتحرج موسى من طلب الاعتماد على أخيه هارون، ليكمل الجانب الذي ينقصه (فصاحة اللسان)، أو ليفيد من مزاياهارون (قبوله لدى الناس، وما قضى من سنوات معهم)، فالقائد دوماً يحتاج من يعينه، ويكمل جوانب النقص لديه، ويزيده بمزايا تعينه على تحقيق مبتغاه وأهدافه .

أما نبي الله داود عليه السلام.. فقد منحه الله قبول الناس.. {وَقَالَ لَهُم نَبِيٌّهُم إنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُلَهُ الـمُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقٌّ بِالـمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ الـمَالِ قَالَ إنَّ اللَّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالـجِسمِ وَاللَّهُيُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

فمن أهم صفات الشخصيات القيادية هي القبول لدى الناس واستجابتهم له.. فإن لم تكن قد وهبت له، فيحسن العمل على تعزيزها في شخصيته، فلا شك أن القبول عنصر نجاح القائد، والقبول يتوفر بتوفر عناصر مختلفة، فالناس يقبلون المتواضع دون المتعالي، والهادىء دون المستعجل، والمؤدب دون الأهوج، وقد كان داوداً متواضعاً يعيش على مهنته، ويخالط الناس، علاوةً على ما وهبه الله من الحكمة والعلم..

وإن لم يتيسر توفيرها في شخصه، فلا ضير من استقطاب مساعداً له، يمتلكها ويوافقه التوجهات.

ولأن النفس أمارة بالسوء.. فنزيد.. “ويأمن جانبه”!!

ننتقل إلى النبي يعقوب عليه السلام.. قال تعالى: {ولَمَّا فَتَحُوا مَتَعَهُمْ وَجَدُوا بِضعَتَهُمْ رُدَّت إِلَيهِمْ قَالُوا يَأَبَانَا مَا نَبْغِى هَذِهِ بِضعَتُنَا رُدَّت إِلَيْنَا ونَمِيرُ أَهْلَنَا ونحْفَظأَخَانَا ونَزْدَادُ كَيْلَ بَعِير ذَلِك كيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكمْ حَتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنى بِهِ إِلا أَن يحَاط بِكُمْ فَلَمَّا ءَاتَوْهُمَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}

كلنا يعلم أن موافقة النبي يعقوب على طلب أبنائه اصطحاب ابنه – بنيامين شقيق يوسف – لم تكن سهلةً بعد الذي حدث مع يوسف قبله.. إلا أنه فيما يبدو.. غلب المصلحة العامة.. مصلحة الأسرة ومعاشها بزيادة كيل بعير.. وقرر السماح لهم باصطحابه.. وفي هذا درس، والدرس الثاني، كان في محاولته ضبطه هذا القرار – قدر المستطاع – بأخذ الموثق على إخوته  (إلا أن يحاط بهم)، فالقائد دوماً يجب أن يسعى للمصلحة العامة، ويتخذ القرارات الصعبة في بعض الأحيان، مع محاولة ضبط الأمور قدر الإمكان..

ونختم بخاتم الأنبياء وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والذي تجلت قيادته في عدد من المواقف..

ولا شك منها موقفه البارز عندما ولى الشاب أسامة بن زيد قيادة جيش المسلمين، ففي هذا ثقة في الشباب، حيث رأى فيه القدرة والشجاعة، وأصر على ولايته للجيش رغم ما بلغه من تذمر بعض من كان في الجيش.. إلا أنه ورغم هذه الثقة، لم يتركه للقيادة إلا وأوصاه بوصايا عامة وأخرى محددة، كانت له ما يمكن تسميته بالاستراتيجية التي تؤطر مهمته الجسيمة.

ويبدو – والله أعلم – أن للنبي صلى الله عليه وسلم أهدافاً عدة من هذا التكليف، ونتوقع أن منها أهمية تثبيت مبدأ ولاية من يستحق وذو كفاءة دون الاستناد فقط إلى السن أو النسب أو الجاه.

جانب آخر تجلت فيه قيادة النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد كان له فريقاً من النخبة، هم صحابته الكبار، فبرع في قيادتهم والتعامل معهم، وإن كان مؤيداً بصفته النبوية وولائهم له، التي بلا شك سهلت عليه المهمة ووفرت له الطاعة، إلا أنه كان حريصاً على إنزال صحابته منزلتهم.

وكان يشاورهم في كثير من الأمور، ويأخذ برأيهم كثيراً، وهذا بلا شك كان إنفاذاً للتوجيه الإلهي {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، كما كان يمنحهم الفرص العديدة في القيادة والإنجاز، وإبراز الأفذاذ منهم كل في مجاله.. وهذه المبادىء القيادية تظل كفيلةباستدامة الكيان وتحسين فرص نجاحه.

نتذكر هنا أن قيادة فرق النخبة من أصعب مهام القادة.. فالنخب دائماً ذوي رأي وعلم ونسب وعزة..

عليهم السلام جميعاً.